الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
432
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذه المخالفة ترمي إلى غرض ، كما هو شأن البليغ في مخالفة مقتضى الظاهر ، وقد زاد ذلك إيضاحا بقوله عقبه : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ أي علم أنكم لا تستطيعون كتمان ما في أنفسكم ، فأباح لكم التعريض تيسيرا عليكم ، فحصل بتأخير ذكر أَوْ أَكْنَنْتُمْ فائدة أخرى وهي التمهيد لقوله : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وجاء النظم بديعا معجزا ، ولقد أهمل معظم المفسرين التعرض لفائدة هذا العطف ، وحاول الفخر توجيهه بما لا ينثلج له الصدر « 1 » ووجهه ابن عرفة بما هو أقرب من توجيه الفخر ، ولكنه لا تطمئن له نفس البليغ « 2 » . فقوله : وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا استدراك دل عليه الكلام ، أي علم اللّه أنكم ستذكرونهن صراحة وتعريضا ؛ إذ لا يخلو ذو عزم من ذكر ما عزم عليه بأحد الطريقين ، ولما كان ذكر العلم في مثل هذا الموضع كناية عن الإذن كما تقول : علمت أنك تفعل كذا تريد : إني لا أؤاخذك لأنك لو كنت تؤاخذه ، وقد علمت فعله ، لآخذنه كما قال : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ [ البقرة : 187 ] هذا أظهر ما فسر به هذا الاستدراك وقيل : هذا استدراك على كلام محذوف أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن ، أي لا تصرحوا وتواعدوهن ، أي تعدوهن ويعدنكم بالتزوج . والسر أصله ما قابل الجهر ، وكنى به عن قربان المرأة قال الأعشى : ولا تقربنّ جارة إنّ سرّها * عليك حرام فانكحن أو تأبدوا وقال امرؤ القيس : ألا زعمت بسباسة الحي أنني * كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي والظاهر أن المراد به في هاته الآية حقيقته ، فيكون سِرًّا منصوبا على الوصف لمفعول مطلق أي وعدا صريحا سرا ، أي لا تكتموا المواعدة ، وهذا مبالغة في تجنب مواعدة صريح الخطبة في العدة .
--> ( 1 ) قال الفخر : لما أباح التعريض وحرم التصريح في الحال قال : أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أي أنه يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك في المستقبل فالآية الأولى تحريم للتصريح في الحال والآية الثانية إباحة للعزم على التصريح في المستقبل . ( 2 ) قال : فائدة عطف أَوْ أَكْنَنْتُمْ الإشعار بالتسوية بين التعريض وبين ما في النفس في الجواز أي هما سواء في رفع الحرج عن صاحبهما .